لبيك يا الله‎
  
  
  
مرحبا نورت المنتدى
  
  
أهلا وسهلا بك إلى لبيك يا الله.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
  


  
لبيك يا الله :: العقيدة الاسلاميه :: العقيدة الاسلاميه
  
  
شاطر
  
موضوع:
  
2011-11-10, 13:46
المشاركة رقم:
  
خلود

avatar

إحصائية العضو

100 / 100100 / 100
انثى
العقرب
عدد الرسائل : 2968
تاريخ الميلاد : 14/11/1987
العمر : 30
نقاط : 20511
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 29/05/2011
. :
 

  
مُساهمةموضوع: حقيقة العبادة بين شريعة الله وشطط التصوف


حقيقة العبادة بين شريعة الله وشطط التصوف


حقيقة العبادة بين شريعة الله وشطط التصوف

للدكتور عبد الفتاح ابراهيم سلامه رحمه الله

أستاذ مساعد بكلية الحديث

نشرت إحدى المجلات الإسلامية مقالاً بعنوان: ((الحب الإلهي في الشعر النسائي المعاصر)).

وحرصاً منا على عرض حقائق الإسلام المشرقة الهادية عرضاً يلتزم منهج الكتاب وهدي السنة المطهرة، هادفاً إلى تنقية أفكار مما علق بها من خرافات وأوهام تسيء إلى حقائق الإسلام، وتشوه جلاله الخالدة.

ونظراً لما وجدته في المقال من (تهويمات شعرية وفلسفة صوفية) يجب عرضهما على الميزان الذي لا يبخس ولا يحيف، وهذا الميزان هو الوحي المنزل في نبعيه الصافيين: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم، فإن قضى هذا الميزان الأقوم بأمر فقضاؤه هو القضاء العدل، وإن حكم بحكم فحكمه هو كلمة الفصل.

بدأ الكاتب حديثه: (عن رابعة العدوية) فقال: "أقبلت رابعة العدوية على اللّه وأحبته، والتمست القرب منه، والفناء في ذاته، والأنس بمطالعة جمالها الأزلي"أ.هـ..

هذه أول فقرة من مقاله، نبدأ بعدها المناقشة متسائلين:

ما هو الفناء في ذات الله؟! هل ورد هذا التعبير في القرآن الكريم؟ وهل حث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الفناء في ذات الله تعالى؟! وأين هذا النص الذي يحضنا على هذا الفناء؟

وما معنى كلمة الفناء في لغة العرب؟ وما دلالة الحرف (في) في هذا السياق؟!!.

وما معنى الفناء كمصطلح صوفي دخيل على الإسلام.

أسئلةٌ كثيرةٌ، وإجاباتها أكثر وأكثر...

إنّ كلمة الفناء تدل في لغة العرب على العدم والهلاك، أو مقاربة العدم والهلاك، ولذلك تطلق كلمة الفاني على الشيخ الكبير الذي قارب الموت.

ولم تستعمل كلمة الفناء في القرآن الكريم إلا في الدلالة على هلاك الشيء وزواله، كما دلّ على ذلك قوله تعالى : {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام} 26، 27: الرحمن، ويؤيد تفسير الفناء بالهلاك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه} 88 القصص، وأما قوله: "والأنس بمطالعة جمالها الأزلي"فلنا أن نسأل الكاتب: ما معنى هذا الكلام؟ هل تريد رابعة أن تأنس بمطالعة (جمال الذات الإلهية الأزلي) في الدنيا أم في الآخرة؟.

إننا إذا فسرنا هذه العبارة بمعنى الرغبة في مشاهدة ذات اللّه العلية في الدنيا، فإنّ رابعة بهذا المطلب تكون قد طلبت أمرا لم يجب إليه كليم الله موسى عليه السلام، كما دل على ذلك قول الله تعالى: {... قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً...} 143: الأعراف.

وإن كان المقصود بهذه العبارة رؤية اللهِ في الآخرة، فهذا أمرٌ قد وعد اللّه به المؤمنين من عباده في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة} 22،23: القيامة، وفي قوله سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ..} 26: يونس، والحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤية وجه الله الكريم، كما ورد ذلك عن كثير من السلف في تفسير هذه الآية.

على أن: "الأنس بمطالعة الجمال الأزلي"تعبيرٌ لا يسلم من المـآخذ، مع إيماننا بأن الله سبحانه متصف بالجمال على النحو اللائق بذاته العلية.

ثم قال الكاتب: "وجعلت من حبها لذاته مذهبا لها في حياتها الروحية تأخذ به نفسها أخذاً، وتروضها عليها"وهذا التعبير يدل على أن لها مذهبها في (الحب الإلهي)، وأن لغيرها من الناس مذاهب، فما هو مذهبها؟ وما هي مذاهب الناس في هذا الحب؟

وما الفرق بين مذهبها ومذاهب الناس؟ أسئلة لم يتعرض لها الكاتب للإجابة عليها، مع أنه أقام بنيان بحثه على أساس من (مذهب رابعة) الذي لم يوضحه، ربما لظنه أنه أشهر من أن يعرف، والسؤال الذي يرد حتما هنا هو: ما هو منهج الوحي الذي أنزله اللّه هدى للناس في هذه القضية؟ وهل حب اللّه جَلَّ جلاله مسألةٌ خاضعَةٌ للمذاهب والأهواء؟ وهل الدين هو مذاهب الناس وآراؤهم وأهواؤهم؟ أمْ هو وحي الله الذي أنزله بياناً وشفاء وهدايةٌ ونوراً كما قال جل ذكره: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ...} 52، 53: الشورى. لا شك أنّ دين اللّه هو وَحْيه المنزل على خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وليس أهواء الناس.

ونعود بعد هذا إلى إيضاح القول في المسألة الرئيسية في هذا الموضوع وهي: "مذهب رابعة في الحب الإلهي"هذا المذهب الذي نسجَ على منواله الناسجون، أو ((تأثروا)) به على حد تعبير ((الدكتور)) كاتِب المقال، وهذا المذهب يعبر عنه قولها:

كلهم يعبدوك من خوف نار


. ويرون النجاة حظاً جـزيلا

أو ليسكنوا الجنان ليـحظوا


بفردوس ويشربوا سلسبيلا.

هذا هو مذهب الناس في نظرها.

أما مذهبها هي فهو كما عبرت عنه:... أنا لا أبتغي بربي بديلا.

أو كما روي عنها أيضاً: "إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها".

وكما روي عنها أيضا:

وحـباً لأنـك أهــل لذاك.


أحبك حبين حبَّ الـهوى

فشغلني بذكرك عـمـن سواك


فأما الذي هو حـب الهوى

فكشفك لي الحجب حتـما أراك.


وأما الذي أنـت أهـل لـه

تأمل: إن اللّه - تعالى علواً كبيراً - أهل لحب رابعة!! لماذا؟ لأنه سبحانه كشف لها الحجب التي لم تكشف لموسى عليه السلام!! أو لم تزعم أنها كشفتْ لها الحجبْ حتى رأت الذات العلية‍‍!! وليس هذا أدعاءً منا عليها، وإنما هذا ما تقوله الأبيات السابقة.

فهذه هي وجازة القول في مذهب (رابعة) الذي فتن به المفتونون، وهو يقوم على دعوى أن عبادة اللّه عِشقاً له خيرٌ من عبادة الذين يعبدون ربهم خوفاً وطمعاً، ونظراً لأن هذه الدعوى فتنة خطيرةٌ تردَّى فيها من لم يعتصم بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، فإن واجب البيان يملي علينا أن نضع هذه الدعوى في ميزان الكتاب والسنة، لنرى مبلغها من العلم، ووزنها من اليقين.

إن رابعة تزدري عبادة الذين يعبدون ربهم خوفاً وطمعاً، فهل نسمع إلى قول رابعة؟ أم نستمع إلى حكم اللّه الحكيم العليم؟

- بدهي أنّ الجواب هو: إن حكم اللّه تدين له القلوب، وتعنو له الوجوه ولنسمع إلى وصف الله جل ذكره لعبادة هؤلاء الخائفين من جلاله، الطامعين في جنانه، وهو في قوله سبحانه: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فلا نفسٌ ما أخفى لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون} 15- 17: السجدة.

وأمر ربنا سبحانه عباده أن يدعوه خوفاً وطمعاً، وبين أن الدعاء بهذه الصورة سبيل إلى رحمته، وسببٌ إلى جنته فقال جل ذكره: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} 56: الأعراف، وتأمل كيف رتبت الآية الكريمة الأمر بدعاء الله، بعد النهي عن الإفساد في الأرض. فهذا ترتيب يبين لنا أن الأرض إذا خلت من عباد الله الذين يخشونه بالغيب امتلأت بالمفسدين في الأرض. وقد مدح الله أهل الخوف منه جل جلاله في غير موضع من كتابه واصفاً لهم بصفات الخير - على النحو التالي:-



أولاً- أهل الخوف هم أهل الاستجابة للحق:

وقد بين ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} 11: يس.

وقال سبحانه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} 45:ق.



ثانياً- أهل الخوف هم الذين يتقون ربهم:

قال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} 51: الأنعام.



ثالثا- أهل الخوف هم عمار المساجد:

ودليل ذلك قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ...} 36- 38: النور.



رابعاً- أهل الخوف هم الذين يتعظون بما وقع للمكذبين:

وقد بين هذه المسألة قوله سبحانه: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} 37 الذاريات.



خامساً- أهل الخوف هم أهل البر والإحسان:

وفي هذا المعنى ورد قول الله جل ذكره: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} 7- 11: الإنسان.



سادساً- الذين يخافون مقام ربهم لهم جنة المأوى:

لم يمدح اللّه الخائفين من جلاله فقط بل وعدهم بجزيل الأجر، وجميل الثواب، كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} 40: النازعات.



سابعاً: الخائفون من مقام ربهم لهم ثواب الضعف:

ولم يعدهم الله الجنة فقط بل وعدهم أن يتبوؤا من الجنة في منزلين وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} 46: الرحمن.



ثامناً- الخائفون من اللّه هم أهل التمكين في الأرض:

كما دل عل ذلك قوله تعالى: {... فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} 13- 14 إبراهيم.



تاسعاً- مقام الخوف من اللّه هو من مقامات الأنبياء:

قد يرد على خاطر بعض القراء أن الخوف من الله هو مرتبة من مراتب عوام المؤمنين، وأما خواصهم فليست هذه مرتبتهم، بل لهم مرتبة هي أسمى من ذلك، وهذا ظن مبتوت الوشائج بالحق، فلا مقام أسمى من مقام الخوف من رب العالمين، إذ هو مقام سادات الموحدين وكرام النبيين، ولنسمع في ذلك إلى قول رب العالمين: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} 89-90: الأنبياء، ومعلومٌ أنّ الرهب هو الخوف.



عاشراً- الذين لا يخافون من الواحد القهار هم الأشرارُ الفجار:

وكما بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن الخوفَ من جلاله وعقابه هو صفة الأبرار الأخيار، بَيَّنَ أنّ عَدَمَ الخوف هو صفة الأشرار الفجار، فقال سبحانه: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً} 60: الإسراء. وقال سبحانه في صفة الكافرين: {كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ} 53: المدثر.

الرغب والرهب دعامتا العبادة:

وربما قال قائل قد أكثرتم الحديث عن الرهب، وصورتم العبادة خوفاً محضاً، فهل على الخوف وحده ينهض بناء العبادة؟!

ونقول له: ما إلى هذا قصدنا، ولا إلى هذا الفهم توجهنا، فإن الرغب والرهب دعامتان: عليهما يقيم العابدُ بناء عبادته، فإذا كان العابد راهباً لا يرغب: فهو إلى الخوارج أقرب، فإن الخوارج (الحرورية) جعلوا الخوف دينهم، والرهب ديدنهم فخافوا وأخافوا، وفزعوا وأفزعوا، وإن العابد إذا جعل دينه رغبة فقط مبرأة من الرهب، فقد أخطأ الطريق، وسلك سبيلا غير سبيل الحق، وإذا كنا نلتمس دائماً وأبداً السبيل الحسنى عند سيد الأنبياء صلى اللّه عليه وسلم، فلنعلم أنّ اللّه تبارك وتعالى قد مدح إمام أنبيائه، بالخوف منه جل ذكره، وقد دل على ذلك قول اللّه تعالى: {... قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 14: 15 الأنعام.

ولنستمع أيضاً متدبرين قول الله جل ذكره: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 15: يونس.

وحتى تزداد القضية وضوحاً فلنتدبر قول العلي الحكيم الذي أمر به نبيه الكريم عليه الصلاة والتسليم: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ.وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 11- 13: الزمر.

فهذه الآيات البينات دلتنا على أن النبي الكريم كان أخوف الناس أجمعين للّه العظيم، بل لقد وصَفَ صلى اللّه عليه وسلم نفسه بذلك في حديثه للذين أرادوا أن يتخذوا الرهبانية منهجاً حين قال لهم: "إني لأتقاكم للّه، وأخوفكم له" وفي رواية "إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه، وأعلمكم بما أتقي" [1][1] .

ولنسمع إلى رَغَبِهِ صلى الله عليه وسلم إلى ربه حتى تكتمل الحقيقة أمامنا، ذلكم أن الله قد مَدح نبيه الكريمَ بالرغب إليه والرهب منه، وما دمنا قد أسلفنا حديثَ الرهب فلنصْغ إلى حديث الرغب، وذلك في قول اللّه تعالى أمراً نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} 7، 8: الانشراح.

والمؤمنون أيضاً ممدوحون بالرغبة إلى اللّه:

وكما أمر الله نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالرغبة إليه، وامتدح عبده زكريا وله عليهم السلام بهذه الصفة الكريمة، فكذلك أثنى اللّه على التائبين المذكورين في سورة القلم بهذه الصفةِ، وذلك في قوله سبحانه: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} 32: ا لقلم.

كما بين سبحانه أن هذه الصفة يجب أن يتصف بها من أراد أن يسلك سبيل المهتدين الراشدين، وذلك ما ورد في قول اللّه سبحانه وتعالى: {... وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} 59: التوبة.

- ولسائلِ أن يسأله فيقول: حدثتنا عن الرغب، فهلا عرفتنا بمعناه في لغة العرب؟ ونقول له هذا سؤال يسير الطلب، فالرغب والرغبى- بفتح الراء أو ضمها- والرغباء والرغبة- بفتح الراء أو ضمها أيضا- والرغبوت: كلماتٌ متقاربات المعنى تدل على توسع في الإرادة، وعلى حرص على نيل مطلوب، وقصارى القول إن الرغبة إلى الله سَعي إلى عطائه، وحرْصٌ على رضائه، وضراعة إليه لنيل جنته.

لكل شيء قلبَ، والحب قلب العبادة:

وقد يقول قائلٌ : أغفلتم جانب الحب، وأهملتم شأنه ونقول له: ما أغفلنا ولا قصرنا، فإذا كنا قد ذكرنا من قبل أنّ الرغبَ والرهب دعامتا العبادة، فلنذكر أن الحبَّ قلبها، وأن العبادة بلا حب كالجسد بلا قلب، ومن الناس من هدِيَ في أمر الحب إلى صراط مستقيم، ومنهم من ضلّ الطريق القويمَ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ذلكم أن حب الله نوعٌ من العبادة، ولهذا بين لنا ربنا سبحانه أن حب المؤمنين له تعالى: هو آية الإيمان، وأن حب المشركين لآلهتهم هو غاية الكفران، وذلك في قوله جل ذكره: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} 65: البقرة.

والحب لله طاعة لأوامره، واجتنابٌ لنواهيه، واتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، واقتداء بهديه وقد أمر ربنا سبحانه رسوله الكريم أن يعلمنا هذا الهدى القويم، وذلك في قوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 31: آل عمران، وقد بينت هذه الآية الكريمة أنّ أهل الطاعة هم أهل المحبة وأهل المغفرة، ثم بينت الآية الكريمة التالية لها أن أهل الم


 



توقيع : خلود




  



  
اللذين يشاهدون الرساله الان 147 (الاعضاء 23 والزوار124)
  


تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة